محمد حسين هيكل

174

حياة محمد ( ص )

أصحابه وما كان يرجو من استئصال عدو اللّه وعدوه ، قد طلب إلى المسلمين منذ اللحظة الأولى من المعركة ألا يقتلوا بني هاشم وألا يقتلوا بني هاشم وألا يقتلوا بعض رجال من سادات قريش ، مع أنهم اشتركوا في قتال المسلمين ، ومع أنهم كانوا سيقتلون من المسلمين من يستطيعون قتله . ولا تحسب أنه في ذلك أراد أن يحابي أهله أو أحدا ممن يمتون إليه باصرة القربى ، فنفس محمد أسمى من أن تتأثر بمثل هذا ، وإنما ذكر لبني هاشم منعهم إياه مدى ثلاثة عشر عاما من يوم بعثه إلى يوم هجرته ، حتى كان عمه العباس معه ليلة بيعة العقبة . وذكر لغير بني هاشم من قريش جميل من قاموا وهم على الكفر يطالبون بنقض الصحيفة ، التي اضطرتّه بها قريش أن يلزم هو وأصحابه الشعب ، بعد أن قطعت قريش بهم كل صلة وكل علاقة . فهذا المعروف الذي تقدّم به هؤلاء وأولئك قد اعتبره محمد حسنة يجزى من قدّمها بمثلها ، بل يجزى بعشر أمثالها ، لذلك كان شفيعا لهؤلاء عند المسلمين ساعة القتال ، وإن أبى بعض هؤلاء القرشيين أن يستظلوا بهذا العفو على نحو ما فعل أبو البختري أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة ، فقد أبى وقتل . ولّى أهل مكة الأدبار كاسفا بالهم ، خاشعة من الذل أبصارهم ، لا يكاد أحدهم يلتقي نظره بنظر صاحبه حتى يواري وجهه خجلا من سوء ما حلّ بهم جميعا . أمّا المسلمون فأقاموا ببدر إلى آخر النهار ، ثم جمعوا الذين قتلوا من قريش فحفروا لهم قليبا فدفنوهم فيه . وقضى محمد وأصحابه تلك الليلة في الميدان في شغل بجمع الغنيمة والسهر على الأسرى . وإذا جنّ الليل جعل محمد يفكر في نصر اللّه المسلمين على قلّة عددهم ، وخذلانه المشركين الذي لم يكن لهم من قوة الإيمان عضد تعتزّ به كثرتهم . جعل يفكر في هذا ، حتى سمعه أصحابه جوف الليل وهو يقول : « يا أهل القليب ! يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ! ويا أميّة بن خلف ! ويا أبا جهل بن هشام ! - واستمر يذكر من في القليب واحدا بعد واحد - يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّا ، فإني وجدت ما وعدني ربي حقّا » . قال المسلمون : يا رسول اللّه ، أتنادي قوما جيّفوا « 1 » ! قال عليه السلام : « ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني » . ونظر رسول اللّه في وجه أبي حذيفة بن عتبة فألفاه كئيبا قد تغيّر لونه . فقال : « لعلك يا أبا حذيفة قد دخلك من شأن أبيك شيء ؟ قال أبو حذيفة : لا واللّه يا رسول اللّه ! ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام . فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت ما كان عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له ، أحزنني أمره » فقال له رسول اللّه خيرا ودعا له بخير . اختلاف المسلمين على الفيء ولما أصبح الصبح وآن للمسلمين أن يرتحلوا قافلين إلى المدينة ، بدؤا يتساءلون في الغنيمة لمن تكون ، قال الذين جمعوها : نحن جمعناها فهي لنا . وقال الذين كانوا يطاردون العدو حتى ساعة هزيمته : نحن واللّه أحقّ بها ، فلو لأنا لما أصبتموها . وقال الذين يحرسون محمدا مخافة أن يرتدّ إليه العدوّ : ما أنتم ولا هم أحق بها منا ، وكان لنا أن نقتل العدوّ ونأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ، ولكنّا خفنا على رسول اللّه كرّة العدو فقمنا دونه . فأمر محمد الناس أن يردّوا كل ما في أيديهم من الغنائم ، وأمر بها أن تحمل حتى يرى فيها رأيه أو يقضي اللّه فيها بقضائه . قسمته بينهم على السواء وبعث محمد إلى المدينة عبد اللّه بن رواحة وزيد بن حارثة وبشير بن يلقيان إلى أهلها بما فتح اللّه على

--> ( 1 ) جيفوا : أنتنوا .